فخر الدين الرازي

132

تفسير الرازي

في ذلك الوقت . ويجوز أيضاً أن يكون التقدير : اذكروا إذ يغشيكم النعاس أمنة . المسألة الثانية : في * ( يغشاكم ) * ثلاث قراآت : الأولى : قرأ نافع بضم الياء ، وسكون الغين ، وتخفيف الشين * ( النعاس ) * بالنصب . الثانية : * ( يغشاكم ) * بالألف وفتح الياء وسكون العين * ( النعاس ) * بالرفع وهي قراءة أبي عمرو وابن كثير . الثالثة : قرأ الباقون * ( يغشيكم ) * بتشديد الشين وضم الياء من التغشية * ( النعاس ) * بالنصب ، أي يلبسكم النوم . قال الواحدي : القراءة الأولى من أغشى ، والثانية من غشي ، والثالثة من غشي فمن قرأ * ( يغشاكم ) * فحجته قوله : * ( أمنة نعاساً ) * يعني : فكما أسند الفعل هناك إلى النعاس والأمنة التي هي سبب النعاس كذلك في هذه الآية ومن قرأ * ( يغشيكم ) * أو * ( يغشيكم ) * فالمعنى واحد وقد جاء التنزيل بهما في قوله تعالى : * ( فأغشيناهم فهم لا يبصرون ) * ( يس : 9 ) وقال : * ( فغشاها ما غشى ) * ( النجم : 54 ) وقال : * ( كأنما أغشيت وجوههم ) * وعلى هذا فالفعل مسند إلى الله . المسألة الثالثة : أنه تعالى لما ذكر أنه استجاب دعاءهم ووعدهم بالنصر فقال : * ( وما النصر إلا من عند الله ) * ذكر عقيبه وجوه النصر وهي ستة أنواع : الأول : قوله : * ( إذ يغشاكم النعاس أمنة منه ) * أي من قبل الله ، واعلم أن كل نوم ونعاس فإنه لا يحصل إلا من قبل الله تعالى فتخصيص هذا النعاس بأنه من الله تعالى لا بد فيه من مزيد فائدة وذكروا فيه وجوهاً : أحدها : أن الخائف إذا خاف من عدوه الخوف الشديد على نفسه وأهله فإنه لا يؤخذه النوم ، وإذا نام الخائفون أمنوا ، فصار حصول النوم لهم في وقت الخوف الشديد يدل على إزالة الخوف وحصول الأمن . وثانيها : أنهم خافوا من جهات كثيرة . أحدها : قلة المسلمين وكثرة الكفار . وثانيها : الأهبة والآلة والعدة للكافرين وقلتها للمؤمنين . وثالثها : العطش الشديد فلولا حصول هذا النعاس وحصول الاستراحة حتى تمكنوا في اليوم الثاني من القتال لما تم الظفر . والوجه الثالث : في بيان كون ذلك النعاس نعمة في حقهم ، أنهم ما ناموا نوماً غرقاً يتمكن العدو من معاقصتهم بل كان ذلك نعاساً يحصل لهم زوال الإعياء والكلال مع أنهم كانوا بحيث لو قصدهم العدو لعرفوا وصوله ولقدروا على دفعه . والوجه الرابع : أنه غشيهم هذا النعاس دفعة واحدة مع كثرتهم ، وحصول النعاس للجمع العظيم في الخوف الشديد أمر خارق للعادة . فلهذا السبب قيل : إن ذلك النعاس كان في حكم المعجز . فإن قيل : فإن كان الأمر كما ذكرتم فلو خافوا بعد ذلك النعاس ؟ قلنا : لأن المعلوم أن الله تعالى يجعل جند الإسلام مظفراً منصوراً وذلك لا يمنع من صيرورة قوم منهم مقتولين . فإن قيل : إذا قرىء * ( يغشيكم ) * بالتخفيف والتشديد ونصب * ( النعاس ) * فالضمير لله عز وجل * ( وأمنة ) *